القضاء في عهد «الإصلاح والإنقاذ» وعود بلا إنجازات رأي عمر نشابة الأربعاء 1 تموز 2026 حين كُلّف القاضي السابق في محكمة
القضاء في عهد «الإصلاح والإنقاذ»: وعود بلا إنجازات
رأي
عمر نشابة
الأربعاء 1 تموز 2026
حين كُلّف القاضي السابق في محكمة العدل الدولية نواف سلام بتشكيل الحكومة، اعتقد كثير من اللبنانيين أن السلطة التنفيذية ستشهد أخيراً انتقالاً من خطاب الإصلاح إلى ممارسته الفعلية. فالرجل الذي أمضى سنوات في أعلى هيئة قضائية دولية، وارتبط اسمه بمفاهيم سيادة القانون واستقلال القضاء، بدا مؤهلاً لدى كثيرين لإطلاق ورشة إنقاذ حقيقية للعدالة اللبنانية التي تحولت، خلال سنوات الانهيار الاقتصادي، إلى مؤسسة منهكة وعاجزة ومهانة.
لكن، بعد أشهر على تولي سلام رئاسة الحكومة، وجوزيف عون رئاسة الجمهورية، يصعب العثور على مؤشرات تدل على انطلاق مسار إصلاح قضائي جدي، أو حتى على وجود إرادة سياسية واضحة لإعادة بناء السلطة القضائية بوصفها إحدى الركائز الأساسية للدولة.
صحيح أن الحكومة أقرت مشروع قانون يتعلق بتنظيم القضاء واستقلاليته، وصحيح أن بعض التشكيلات القضائية أُنجزت بعد سنوات من التعطيل، إلا أن ذلك لا يكفي لإقناع اللبنانيين بأن العدالة استعادت عافيتها. فالإصلاح القضائي لا يُقاس بعدد مشاريع القوانين أو بما يرد في البيانات الوزارية، بل بقدرة الدولة على توفير الإمكانات البشرية والمالية والمادية التي تتيح قيام قضاء مستقل وفاعل وقادر على مواجهة أصحاب النفوذ السياسي والمالي، وهي قدرة لا تزال غائبة إلى حد كبير.
فالحكومة لم تخصص اعتمادات استثنائية للنهوض بالمؤسسة القضائية، ولم تعلن خطة مالية لتحسين أوضاع القضاة وموظفي المحاكم وعناصر الضابطة العدلية. ولا يزال العاملون في الجسم القضائي يعملون برواتب فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الشرائية، فيما يواجه رؤساء الأقلام والحجّاب والكتبة أوضاعاً اجتماعية صعبة تدفع بعضهم إلى التغيب عن العمل أو البحث عن مصادر دخل إضافية لتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش. والضابطة العدلية، التي يفترض أن تشكل الذراع التنفيذية للقضاء، لا تزال تعمل بإمكانات محدودة، ومن دون أي خطة معلنة لتحسين ظروف عمل عناصرها أو تزويدهم بالمعدات والتجهيزات الحديثة، أو تطوير قدراتهم في مجالات التحقيق المالي والجرائم الإلكترونية وجمع الأدلة الرقمية.
لا مؤشرات على انطلاق مسار إصلاح قضائي جدي أو حتى على وجود إرادة سياسية لإعادة بناء السلطة القضائية
كذلك، لم تشهد قصور العدل في لبنان أي عملية تأهيل شاملة، وباتت أوضاعها أقرب إلى ما يليق بدولة مفلسة منها إلى دولة تعلن سعيها لاستعادة ثقة مواطنيها. فالنظارات التابعة للمحاكم مكتظة ولا تستوفي المعايير الإنسانية، وتعاني المباني القضائية نقصاً كبيراً في أعمال الصيانة والتجهيزات الأساسية، من دون أي مؤشرات إلى وجود خطة وطنية جدية لتحديث البنية التحتية العدلية أو مكننة الإجراءات القضائية.
أما معهد الدروس القضائية، الذي يفترض أن يشكل حاضنة للفكر القضائي الحديث، فلم يُعلن حتى الآن عن أي مشروع استراتيجي لتطويره، أو منحه استقلالاً مالياً وإدارياً، أو تعزيز قدراته التدريبية بما يواكب التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات العدالة الرقمية والجرائم العابرة للحدود ومكافحة الفساد.
غير أن المشكلة الأعمق لا تكمن في الحجر أو البنية التحتية، بل في أداء العدالة نفسها والملفات الكبرى التي تشكل الاختبار الحقيقي لأي سلطة تتحدث عن الإصلاح. ففي قضية الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة، بدا القضاء اللبناني عاجزاً عن إنتاج مسار محاسبة سريع وفعّال يتناسب مع حجم الكارثة المالية التي أصابت اللبنانيين.
وفي ملف المصارف، لم تظهر حتى اليوم إرادة قضائية أو سياسية جدية لمساءلة أصحاب المصارف أو الجهات الرقابية التي ساهمت في هندسة أكبر عملية احتجاز جماعي للودائع في تاريخ لبنان الحديث. كما لم تُبذل جهود فعلية لاستعادة الأموال المحتجزة أو تحديد المسؤوليات المدنية والجزائية المرتبطة بتبديد مدخرات مئات آلاف اللبنانيين.
أما في قضية انفجار مرفأ بيروت، فرغم استئناف التحقيقات وتحقيق بعض التقدم الإجرائي، لا تزال العدالة بعيدة المنال بالنسبة إلى عائلات الضحايا. فالمحاسبة الحقيقية لا تتحقق بمجرد استكمال التحقيقات، بل عبر محاكمات شفافة وسريعة وأحكام نهائية تطاول جميع المسؤولين من دون استثناء أو حصانات مقنّعة.
الخيبة التي يشعر بها كثير من اللبنانيين اليوم لا تعود إلى أن الحكومة أخفقت في تحقيق معجزة خلال أشهر قليلة، بل إلى أنها لم تُظهر حتى الآن استعداداً فعلياً لجعل القضاء أولوية وطنية. فمن السهل إطلاق الخطابات حول استقلالية القضاء، والتفاخر بالسيرة المهنية لرئيس حكومة ترأس أعلى هيئة قضائية دولية، لكن الأصعب هو تخصيص الموارد اللازمة، ومواجهة المصارف، وتحسين أوضاع القضاة، وتأهيل قصور العدل، وتحديث معهد الدروس القضائية، وإطلاق ورشة إصلاح شاملة لا تخضع لحسابات المصالح السياسية والطائفية.
انتخب البرلمان اللبناني عون رئيساً للجمهورية، ورحّب كثيرون بتكليف سلام رئاسة الحكومة، على أمل أن يشكّل الرجلان بداية عهد مختلف تكون فيه العدالة أداة لحماية المجتمع، لا مجرد شعار للاستهلاك السياسي. لكن ما تحقق حتى الآن لا يرقى إلى مستوى الوعود ولا إلى حجم الانهيار الذي أصاب الدولة. فإذا كان القضاء لا يزال عاجزاً عن إعادة أموال المودعين، وعن إنجاز المحاسبة في انفجار المرفأ، وعن ملاحقة كبار الفاسدين، وعن تأمين الحد الأدنى من الكرامة لقضاته وموظفيه، فبأي معنى يمكن الحديث عن الإصلاح؟ وكيف يمكن إقناع اللبنانيين بأن دولة القانون تولد فعلاً؟
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها